Wednesday, March 13, 2019

عمر بحاله!





عمر بحاله!
اه والله عمر بحاله
مش عارفة ازاي ممكن احكيه في صفحتين أو تلاتة!
هو صحيح أحداثه ممكن أكتبها في صفحتين .. ومش بعيد أكتبها في صفحة واحدة كمان .. بس مشاعري عايزة مجلد أوصفها فيه .. وفي الغالب مش حاعرف أوصَلها برضه!

أصل ماحدش بيحس بمشاعر حد أصلاً .. مش عشان الناس بقت وحشة وماحدش فاضي لحد والكلام دا .. بس دا حقيقي .. مشاعر أي حد .. وخصوصاً لو مشاعر واحدة ست .. صعب حد يحس بيها من غير ما يعيشها .. أزاي ممكن أتوقع أي حد يحس بكل اللي جوايا؟

اذا كان كل اللي جوايا أصلاً عمري ما قلته لحد! .. اذا كنت أنا نفسي مش عارفة ومش متأكدة من مشاعري! .. ماحدش حايفهمني ولا يحس باللي جوايا أبداً من غير ما أتكلم .. ما عدا (صلاح)!

(صلاح) بيحس بيا!
فاهمني!
حافظني!
ممكن حتى يقولي مالي لو أنا متضايقة ومش عارفة ليه!
كان بيبهرني انه عارف اللي جوايا وأنا مش عارفاه!
كان كمان دايماً ...
ايه؟
اه .. للأسف .. (كان) فعلاً! .. ماعرفش هو فين دلوقتي!
أخر مرة قابلته كان من حوالي تلاتين سنة! كنا في الجامعة!
وعدني انه مش حاينساني ومش حايحب غيري!

كنا عيال ورومانسيين! .. زمانه اتجوز وحَب وعاش حياته!

أنا صحيح ماعرفش عنه حاجة بس طبيعي .. مافيش راجل بيفضل قاعد كده!
احنا كبنات (أيوة أنا باعتبر نفسي لسه بنوتة عندها خمسين سنة) مانقدرش نتجوز واحد واحنا بنحب واحد تاني .. بس الرجالة لأ! .. أي واحدة حلوة تنسيهم اللي قبلها!

زمانه اتجوز وخلف ومبسوط!
ياااا رب يكون مبسوط!
هو مالوش ذنب!
ماما السبب ..
"دا صغير على الجواز"
"دا مسافر يعيش برة"
"حايسيبك طول الوقت لوحدك"
"حاتخلفي ازاي ومامتك في مصر وانتي في أخر الدنيا؟"
"حايحب البنات بتوع برة ويخونك"

للأسف خوفها عليا بهدلنا وكنت أصغر من إني اقاومها!

بس (صلاح) رغم حزنه ودموعه قبل ما يسافر قالها لي بصراحة .. كعادته في انه يفهمني ويقويني ويحتويني: "أنا مش زعلان منك .. أنا عارف ان مافيش حاجة في إيدك .. ربنا رايد كده .. ماتخافيش عمري ما حاقول إنك استسلمتي وسيبتيني"

فاهمني قوي .. كان عارف قد ايه اكتر حاجة واجعاني هي ضميري! .. خوفي يتعب من غيري وخوفي يعتبرني ضعفت واتخليت عنه كانوا أقوى من وجع قلبي! .. وهو حس بكده وقاللي مش زعلان مني!

بس زي ما هو فاهمني أنا فاهماه .. وعارفة انه ماقالش مثلاً: "ماتخافيش عليا" .. عشان عارف انه مش حايبقى كويس!
تعب من غيري طبعاً لما سافر!

مش غرور والله بس أنا عارفاه! .. (صلاح) محتاجلي .. (صلاح) ماينفعش معاه أي واحدة وخلاص! .. ماينفعش معاه حتى واحدة بتموت فيه! ... (صلاح) عايز واحدة فاهماه! .. ودا مجنون ماحدش حايفهمه غيري!

أنا متأكدة انه أتجوز .. ومبسوط معاها عشان هو طيب .. وأكيد برضه ماتجوزش أي واحدة وخلاص .. أكيد واحدة كويسة عشان هو مش حايستحمل أي واحدة وخلاص، لازم واحدة طيبة وجدعة، واحدة تستاهل يهتم بيها حتى لو مش بيحبها عشان مايتخنقش!
ولا يكون حبها؟
يا رب يكون حبها!
لأ يارب ما يكون حبها!
يووه .. يا رب خير وخلاص!

بس يا ترى هو فاكرني زي مانا فاكراه كده؟
ولا خلاص بقيت ذكرى بعيدة؟ بقيت في خانة "حب عيال"؟
باجي في باله من وقت للتاني؟
ولا تلاتين سنة نسوه اسمي؟
ولا تلاتين سنة خلوه يفتكر إني كنت سبب حزنه في يوم من الأيام والحمد لله أنه خلص مني؟
ويا ترى مايعرفش عني حاجة برضه؟
بيقضِي وقته يتخيل أحوالي؟

أنا اتجوزت يا (صلاح)!

اه والله .. صعب قوي من تلاتين سنة بنت في مجتمع زي مجتمعنا تقف قدام اهلها وترفض الجواز!
اضطريت!

بس الحق حق .. أهلي مارمونيش لأي واحد .. بالعكس .. واحد من أحسن الناس اللي قابلتهم .. وكان بيحبني .. كان زوج مافيش واحدة تحلم بيه!

أقوللك حاجة وماتزعلش مني؟ .. حبيته! .. أعمل ايه؟! .. أضحك عليك؟ .. ماقدرتش! .. هو يتحب الحقيقة! .. أبقى وحشة قوي لو ماحبيتوش! .. كان نعمة من ربنا تعويض على جرحي بعدك وتأنيب ضميري وخوفي عليك!

ماتزعلش بقى! .. ما أنت كمان اتجوزت أهو!

نفسي أقول (لصلاح) الكلام دا!

بس برضه طول ما أنا متجوزة كان (صلاح) خلاص مجرد ذكرى!
مجرد فكرة ضبابية مبهمة!
عمري ما حسيت ناحيته بشوق مثلاً وأنا مع جوزي!
والله العظيم ما كان فيه في حياتي غير جوزي!

لحد الوفاة!

بعد عشر سنين جواز .. سابني فجأة .. بدون مقدمات .. حادثة بسيطة جداً كخبر للناس .. ومصيبة بالنسبالي!

فجأة، كأنه عقاب ليا على اللي عملته مع (صلاح)، زي ما سيبته فجأة وكل شيء انتهى في لحظة ووجعته! .. كل شيء في حياتي اتهد في لحظة برضه واتوجعت زيه!
لأ اتوجعت أكتر أكيد!
لأنه مات وسابني لوحدي مع ابننا!

اسمه (حسين)!
لأ مش (صلاح) طبعاً! .. لو سميت ابني من جوزي على اسم واحد كنت باحبه قبل كده أبقى ست وحشة قوي طبعا!

(حسين) اللي باقيلي من الدنيا!
هو كل حياتي، ماليش غيره ومافيش أي حاجة اعملها في حياتي، لا شغل ولا صحاب!
ماعرفش ليه ماليش صحاب كتير، شوية من الشلّة بعدوا عني بعد موضوع (صلاح) ما انتهى!
وشوية هاجروا!
وشوية اتغيروا، أو أنا اللي اتغيرت، الله أعلم! المهم اننا مابقيناش فارق معانا قوي!

يمكن أنا بقيت كئيبة!
يمكن شغل جوزي ومدرسة (حسين) كتفوني!

المهم، بعد ما مات جوزي الله يرحمه بسنتين تقريباً ابتديت أتجنن!

طول الوقت عايشة في خيالي مع (صلاح)!
باكلمه!
باحكيله عن (حسين)!
باحكيله عن أحلامي اللي كلها بتدور حوالين (حسين)!
الوحدة ضربت دماغي تماماً!

رجعت أعيش في بيت أهلي تاني في الكوربة.
مامتي قاعدة معايا وبتخلي بالها مني أنا و(حسين).

(حسين) مبسوط أكتر كده، بيقعد معايا شوية ومع جدته شوية ومع ولاد أختي لما يزورونا شوية.

أنا كمان مبسوطة أكتر كده، بوجود مامتي ومساعدتها ليا عندي أوقات فراغ أكبر شوية، وممكن أسيب (حسين) شوية لوحده معاها.


وكل فترة أقولهم أنا نازلة أشتري حاجة أو نازلة أتمشى .. وأروح عند (لامفيتريون) اللي في شارع الأهرام،  اللي خلاص داخل على مئة سنة، بأفضل أتفرج على الناس، أتفرج على الوشوش، على العربيات المعدية، على عسكري المرور المريّح جنب الإشارة، على العصافير اللي بتاكل فتافيت العيش من على الأرض والترابيزات!

باتفرج وأطلب حاجة أشربها!
غالباً لمون!
تلاتين سنة باشرب لمون!
وأحياناً قهوة!
(صلاح) كان بيشرب قهوة .. وأنا كنت باحب اللمون!
ساعات كان هو اللي يدفع وساعات أنا .. كان بيبقى مكسوف جداَ .. بس كنا صغيرين! .. وبيعزمني من المصروف! .. ومش دايماً بيكون معاه فلوس تكفي .. وأنا كنت بابقى عايزة أتفسح معاه!
وأديني لسه باروح أشرب اللمون بتاعي وأحياناً أشرب القهوة بتاعته .. وأفضل أتكلم معاه!

باكلمه ..
باحكيله ..
باشتكيله ..
وباتأسفله!

وبيسامحني!


الله أعلم بيبان إني باكلم نفسي ولا لأ!
أكيد الناس بيقولوا عليا مجنونة!

في ناس حافظاهم بييجوا كتير زيي، واللي بيجيبلي اللمون كمان حافظني!
تلاقيه بيخش يقول لهم واحد لمون للمدام المجنونة اللي بتكلم نفسها!

كل مرة أدوّر في الوشوش! .. يا ترى (صلاح) قاعد هنا؟
طب يا ترى لو شفته أصلا حاعرفه؟
حايكون قاعد لوحده؟
مراته وولاده معاه؟

مرة شفت واحد شبهه شوية .. كنت حاتجنن دا هو ولا مش هو .. حسيت أنه هو عشان بيشرب قهوة!
أصل كام واحد شبه (صلاح) وبيحب القهوة يعني؟!

شبهه لدرجة اني كنت حاقوم أسأله رغم ان مراته معاه! .. بس بعد نص ساعة من التردد سمعتها بتقوله يا (سليم)!
بس قلبي كان عمال يدق بشكل!!

النهاردة برضه قاعدة أكلم (صلاح)، عايزة احكيله على حاجة حصلت مع مامتي
-"نادية؟"
لفيت ورايا ولقيته!
ساكتة وقلبي كمان ساكت!
بطل يدق!

عرفني!
من ضهري!
بعد تلاتين سنة تقريباً
شافني؟ ولا حس بيا؟
نداني وهو عارف أني أنا!
تنحت!

سحب كرسي وقعد!
وبعدين اتكسف ووقف وسألني: "عندك مشكلة اقعد؟"

عياط بس!

ضحك وقال: "لسه كل حاجة تعيطي كده؟ .. أمشي طيب؟"
عياط أكتر!


"بتيجي هنا كتير؟"

دموع ودموع!

(صلاح): "بقالي سنين باجي هنا وعندي أمل أشوفِك! .. كنت دايماً متوقع أشوفِك مع جوزك الله يرحمه أو (حسين) .. عارف أخبارك من (ريهام) جارتك، مامتها ومامتك صحاب لسه"

أنا: " ... "

(صلاح): "كنت عايز أشوفِك من بعيد وأمشي بس .. ماوصلش بيا الأمل أني أكلِمِك .. عديت من تحت بيت أهلك كام مرة يمكن أقدر أشوفك من بعيد "

مافيش رد غير الدموع وهو مطنش!
كأنه كان معايا امبارح!

(صلاح): "أنا أصلي فاضي .. شغلي ماشي كويس الحمد لله بس خلاص بقيت أنا مالك للشركة وفي شباب هم اللي بيشتغلوا بنفسهم وأنا فاضي"

بصلي بصة خبيثة من بتوع زمان وقال: "دا غير أني ماتجوزتش!"

قالها وضحك!
الغلس!

سامعاه والدموع بتزيد!

(صلاح): "شكلك مش عارفة تتكلمي .. مع إن نفسي اسمعك قوي .. صوتك واحشني جداً .. أحكيلك أنا بقى عملت ايه في السنين اللي فاتت دي؟"

هزيت راسي إنه "اه" وأنا بامسح دموعي وبامسح مناخيري!

أنا كده خلصت كلام معاكوا، معلش، كنت محتاجاكوا عشان وحيدة!
مش لاقية حد أكلمه!
بس (صلاح) هنا
أنا أسفة!
(صلاح) هنا يبقى أنا مش عايزة حاجة منكوا!
سامحوني!
محتاجة أسمعه .. لحد الصبح!

في كلام متحوش من سنين.
وفي حاجات في القلب صحيت!

احكي يا (صلاح)
لايق عليك الشعر الأبيض قوي!



محمود فايز
3 مارس 2019

Wednesday, March 6, 2019

إلى من يهمه الأمر


إلى من يهمه الأمر






6-أكتوبر-1974
إلى من يهمه الأمر
انا (محمد جابر عبد السميع)
سني 18 سنة
مواليد 1956
هذه مذكراتي التي يمكن أن تكون ذات أهمية يوماً ما .. ولكني لا أكتبها من أجل أن يقرأها أحد .. أكتبها فقط من أجل أن أخرج ما بأحشائي .. الكبت .. الكبت .. يكاد يقتلني .. الكبت .. تلك الكلمة التي لا أجد غيرها .. تدق برأسي كجرس لعين .. كجرس طفل مزعج لا يكف عن العبث أمام منزل لا يقطنه أحد .. صحيح لا يوجد أحداث مهمة كي أحكيها .. ولكن مصيبتي أنه لا يوجد من أحكي له!
ماذا إن وجدت يوماً شيئا عظيماً لأحكيه؟ .. هل سيبقى بداخلي؟!
ماذا عن أحزاني؟ .. الكل يقول إحكِ ما لديك .. أخرِج ما بداخلِك .. لا تكبت ما في جوفِك حتى لا تمرض .. (فضفض) .. وما أن تبدأ في الكلام حتى ينفضوا من حولك!
اليوم قررت أنك أنت صديقي! .. نعم أنت! .. أيها الكراس الصغير! .. أنت وذاك القلم .. هل تستطيعون كتمان أسراري؟ .. هل تكترثون لمشاعري؟ .. هل أنتم أهل لصداقتي؟ .. ماذا عن أحزاني؟ .. أستبكي معي أيها القلم؟ .. هل سيمتزج حبرك مع دموعي ليخطوا سوياً حياتي على الورق؟
فلنبدأ أذن .. اليوم –كما قلت- السادس من أكتوبر .. عام مضى على النصر العظيم .. عام مضى على الحزن العميق .. على الألم الشديد .. على الخسران الاعظم .. (توفيق) .. الذي لم يعد ..
(تنتهي هنا الصفحة مع أثر واضح لماء .. يمكن ببعض الخيال معرفة مصدره)

* * * *
7 أكتوبر 1974
هذا ثاني يوم لي في كتابة مذكراتي التي ربما لن يقرأها أحد .. سوف أحاول أن أتماسك لأكملها .. (توفيق) .. أخي الوحيد .. وأيضاً صديقي الوحيد .. الشهيد!
مثلي الأعلى وقدوتي .. لم يعد أبداً .. وجدوا جثته ممزقة في (سيناء) .. روى الأرض بدمائه الطاهرة كما يقولون .. فقدت بطلاً .. فقدت أخاً .. فقدت المتنفس الوحيد لي.
كان أبي يعمل موظفاً .. تعلمون أن الموظفين هم الطبقة الأعلى في هذا الزمان .. بعد أن ظلت مصر أعواماً طويلة يعلوا فيها أصحاب الألقاب والأراضي فقط!
كان أبانا موظفاً طيباً .. يحبنا .. يعتني بنا .. ولكنه لا يحادثنا أبداً .. كلماته أوامر يجب أن تُنفّذ .. لا أعني أنه كان قاسياً .. ولكنه فقط ليس مستمعاً جيداً .. يأتي للبيت بعد العمل .. يتناول الغذاء معنا .. يسألنا عن يومنا بالمدرسة .. ومع أول كلمة من (توفيق) الذي يبدأ الكلام غالباً .. يتحول الحوار الى درس من الأب للأبناء عن الأخلاق والقيّم والمستقبل .. لا يأتي دوري أبداً في الكلام .. ودور (توفيق) دائماً ما يكون من خمس كلمات على الأكثر.
أما عن أمي فهي ريفية طيبة .. قريبة لأبي .. وهي مجرد زوجة .. تطهو الطعام .. تغسل الملابس .. تعتني بدارنا .. وتمتثل لأوامر أبي .. لم يكن قاسياً معها بالمرة .. ولكن الفارق في الثقافة والتعليم جعلها مجرد مستمعة في هذا المنزل .. ورغم ذلك لم تكن أبدأ تسمعني .. فهي لا تفهمني .. كنت أحاول أن أتحدث معها عن (السادات) والفرق بينه وبين (عبد الناصر) .. ولكن كل ردودها تكون من نوعية "يابني احنا مالنا ..دول رؤساء الجمهورية .. هم فاهمين بيعملوا ايه .. احنا مالناش دعوة"
وكانت دائماً ما تقول (جمهورية) بفتح الجيم وليس ضمها.
لطالما عشقت الكتب .. أقرأ لكل الكتّاب .. وأعيش مع أبطال الروايات وأتحدث معهم .. فلا يوجد من يحادثني في عالمي .. أبي يتكلم فقط .. ولا يتكلم معي .. أمي لا تفقه ما أقول .. وليس أمامي إلا (توفيق).
(توفيق) يكبرني بتسعة أعوام .. يبدو أن مجيئي للكون كان بإرادة ربانية ضد إرادة بشرية .. أو ربما كان هناك خطب صحي لدى أبي وأمي .. لم أكن لأعلم أبداً .. ومن سيخبرني؟!
نعود (لتوفيق) .. هو الوحيد الذي يستمع لي.
الوحيد الذي يعلم كم أنا طموح .. أريد أن أكون طبيبأ .. أسمع ما يحكيه قريبي (مختار) عن علاجه لمصابي حرب الاستنزاف .. أشعر بالفخر أنه يجلس أمامي .. أنا أصغر من أن أتطوع في الجيش .. ولكني يوماً ما سوف أكون طبيباً.
فقط (توفيق) كان يعرف هذا.
فقط (توفيق)  يعلم كل شيء عن (نجلاء).
فقط (توفيق) يعلم كل شيء عن النقود التي أخفيها وأدخرها من مصروفي كي أشتري ما قد أحتاجه في كلية الطب.
ورحل (توفيق)!
لن أتكلم عن رحيله .. فلن تكفيني مجلدات الدنيا لبث أحزاني.
فقط رحل.
وبقيت وحيداً ..
اليوم السابع من أكتوبر .. الذكرى الأولى لرحيله.
اليوم السابع من أكتوبر .. بداية العام الدراسي الجديد .. أو بمعنى أدق المُعاد .. نعم هي ثاني مرة لي في التوجيهية .. لم يكن العام الذي فقدت فيه (توفيق) بأفضل أعوامي .. ولم يكن المناخ الأفضل لاجتياز المرحلة الثانوية.
ولكني قررت أن أكتب لأتخلص من الكبت .. وسوف أبدأ في الاستذكار.. سوف أنجح وألتحق بكلية الطب .. من أجلَك يا (توفيق) .. ومن أجلِك يا (نجلاء).

* * * *

اليوم هو العاشر من يونيو 1975 ..
ظهرت نتيجة اختبارات العام .. لقد فعلتها .. أبي لم يعد من العمل .. أمي فرحت جداً .. قامت باطلاق (زغروطتين) مدويتين .. ثم ذهبت لتعد الغذاء لأبي مع المزيد من الشربات والحلوى من أجلي .. تركتني وحيداً في الصالة .. لم تسألني عن الكلية التي أريد أن التحق بها .. تركتني وأنا أريد أن أخبرها .. أريدها أن تفخر بي .. الكبت .. الكبت!

* * * *
15-نوفمبر-1975
التحقت بالجامعة!
كلية الطب – جامعة القاهرة .. ياله من شرف .. شهران مرّا على أول يوم لي في الجامعة .. لا أصدقاء حتى الآن! .. أعتقد أن (هند) معجبة بي .. يبدو هذا جلياً .. سوف أفكر في هذا الأمر لاحقاً .. ولكني الآن في حالة استحواذ .. نعم .. شهران مرا عليً وأنا أنتظر أياً كان ليسألني عن شعوري .. أنا في حاجة إلى شخص واحد يعبأ بي ويسألني اذا ما كنت سعيداً في كلية الطب .. وما هو شعوري.
أبي فقط يسألني من الحين للأخر .. "هل تواجهك مشكلات؟" .. "هل أنت بحاجة لأي شيء؟" .."هل يكفيك المصروف؟"
نحن من طبقة الموظفين الميسورين .. لست كأولاد أصحاب مشاريع (الانفتاح) السائد الآن .. ولا يسعني أن أطالبه بسيارة .. ولكن الحافلات ليست سيئة .. مزدحمة قليلاً ولكنها تفي بالغرض وتجعلني أصل للجامعة معززاً مكرماً حتى وإن لم أكن مدللاً.
ولكن يا أبي مشكلتي ليست مادية .. تعلم أن كلية الطب ليست كمثيلاتها من الكليات .. أنه المحراب .. وأنا كاهن العلم .. الكهنوت .. هنا (نحن الأطباء) نملك مفاتيح الحياة .. أطمح أن أكون أكبرهم وأعظمهم .. أنا من سينقذ العدد الأكبر من الأرواح .. أنا من سيطارده أهالى المرضى ليشكروه على مجهوداته .. أنا من سيكتب المرضى الذين تم شفائهم أشعاراً لا تحصى تتغزل في مهارتي ودماثة أخلاقي .. أنا الذي سأذهب (لنجلاء) وأحكي لها كل هذا متظاهراً بالتواضع .. أعلم كم أنا عظيم .. ولكن عظمتي ليست نابعة من عقلي الفريد .. بل من حبي الفريد .. النادر .. المخلص .. الحب الذي يرى (نجلاء) أروع شيء في الوجود .. ومن أنا كي أستحقها؟! .. لابد أن أكون الأروع من أجلها .. كي أفوز بحبها .. كي أحافظ على حبها .. كي أستحق حبها.
ولكن من يعبأ بي الآن؟ .. لا أحد .. ولكنها مسألة وقت قبل أن أثبت نفسي وأصبح قادر على أن أحكي كل هذا!
يوماً ما سوف أخبر (نجلاء) عن حبي .. بل وربما أخبر الجميع!
قراء المجلات العلمية والاجتماعية سيقرؤون عن نجاحي. سيحفظون اسمي عن ظهر قلب!
سوف يتسابق الجميع لمعرفة أخباري .. وسأظل أتحدث كثيراً .. كثيراً .. كثيراً
لن يستطيعون أن يسكتوني .. فقط حين أجد من يستمع.

* * * *

20-يناير-1976
يالها من صدمة!
لقد تزوجَت (فاتن)!
تسألون من هي (فاتن)؟
(فاتن) هي ... (نجلاء)! .. نعم .. فأنا لم أكن أعرف اسمها!!!!! .. وكيف لي أن أعرف؟! .. أنه اسم اختلقته كي أتكلم عنها .. مع نفسي!
هو اسم ابتكرته كي أقول اني أشتاق اليها .. فقط مع نفسي!
كيف ولا يوجد من يسمعني تتخيلون أن هناك من قد يجيبني عن أسئلتي! .. كل ما أعلمه عنها أنها تسكن قبالة شرفتي وأرى وجهها حين تخرج لشرفتها!
فقط اليوم وجدت العريس قادماً .. يبدو عريساً بلا أدنى شك .. صعد إلى  بنايتها .. وسمعت الزغاريط .. والتهنئة .. والصديقات اللعينات!! .. كيف ظفرت (نجلاء/فاتن) بكل تلك الصديقات؟ .. كيف يكسب الناس أصدقاءاً؟
هل أنتهت القصة؟!
بالعكس!
لقد عانيت لأعوام كثيرة كبتاً شديداً بسبب كتمان حبي .. ولكن هذا لا يقارن بكتمان أحزاني!
ألا يوجد كتف واحد أبكي عليه؟ .. يداً واحدة تربت على يديّ؟ .. اليوم فقط اكتشفت المأساة .. رغم وجود تليفون بمنزلنا من فترة وجيزة .. ألا أني لا أملك دفتر أرقام هاتف خاص بي! .. لا يوجد من أكلمه!
الكبت .. الكبت .. أريد أن أصرخ .. أريد أن أبكي .. أريد أن أنادي بكل ما أوتيت من قوة .. يا (نجلااااااااااااء)!!!
ولكنها لن تجيبني .. (فاتن) لن تجيبني اذا صرخت قائلاً (نجلاء) .. أين أنت يا (توفيق)؟! .. (توفيييييييييييييق)!

* * * *

13 – يوليو – 1976
ستة أشهر مضت .. ولازلت جريحاً .. مرارة الألم مازالت تعصف بي .. كيف اتألم هكذا ولم أكن أعرف حتى أسمها؟ .. ولكني .. أشعر كأني ..
لا أعرف كيف أكتبها .. يبدو أني فقدت المقدرة على التعبير عن نفسي بسبب عدم وجود من يسمعني! .. لم أعد قادراً على استخدام الكلمات العادية!
أبرع فقط في المصطلحات الطبية .. أسماء الأدوية .. ولكن المشاعر؟ .. لا أستطيع أن أعبر أكثر .. سأكُف عن الكتابة.
لا مزيد من المذكرات!

* * * *

20 – يوليو – 1982
التخرج!
بعد ستة أعوام دراسة وسنة امتياز!!
أعواماً مضت منذ أخر مرة أفضيت فيها بما بداخلي كتابة!
أشعر بالسعادة .. سعادة غامرة .. حتي أبي بكى فرحاً .. فلم أتمالك نفسي من البكاء .. بكيت كثيراً!
وتكلم معي أبي كثيراً عن المستقبل وعن سعادته بي وعن فخره بي أمام أصدقائه.
ثم تركني!
يحبني .. ويفخر بي .. ولكن لم يتركني أتحدث .. أريد أن أتحدث .. أريد أن أصرخ .. أريد من يسمعني .. أنا لم أُخلق فقط لأستمع!
أستمع لنصائح أبي الغالية!
أستمع لكلام أمي الريفية الطيبة!
أستمع لرهبان العلم في كهنوت الجامعة .. على منابر التشريح وفي كل أروقة معبد الطب بجامعة القاهرة!
ولكني أريد أن أتكلم!
متى سأتكلم!
أنا أملك الكثير من المشاعر .. ولكنها مكبوتة .. فلتسمعوني!

* * * *

7 – مارس – 1983
رحل أبي ..
حتى وان كان هناك من يريد أن يسمعني .. أنا لن أستطيع أن أتحدث .. أشعر كما لو أن أمامي شهوراً طويلة حتى أتوقف عن البكاء!
رحل أبي .. وحيداً صرت مع أمي العزيزة .. أشعر كأن .. لا أستطيع أن أستكمل الكتابة .. أنا ....

 * * * *

16 – أكتوبر – 1986
مرت السنين وأنا أشعر بنفس الشيء!
رغم أني تغيرت كثيراً، فقد أنهيت فترة التكليف، وأنهيت الماجستير، وصرت معيداً .. أحاضر في الجامعة .. ولا زلت أشعر بالكبت الشديد!
المئات أمامي يستمعون لما أقوله .. ولكني فقط أقول ما يُملى عليّ .. فقط عن الطب أتحدث!
كم أتمنى أن أتحدث لساعتين فقط عن آلامي .. عن أبي .. عن (نجلاء) .. عن (توفيق) .. عن طموحاتي!
هؤلاء الطلبة المستهترين الملاعين الذين يجب أن يسمعوني رغماً عنهم .. لا أستطيع أن أحدثهم عما أريد!

* * * *

23 – أغسطس – 1988
دكتوراة!
أخيراً .. بعد معاناة!
بكيت كثيراً مع الدكتور المشرف على شهادتي .. لم يتأثر كثيراً .. لم يكترث .. ربما هي المرة العشرون التي يشرف فيها على رسالة الدكتوراة .. أنا مجرد رقم .. إضافة .. ولكني لست إنجازاً حقيقياً له!
ولكن بكائي لم يكن بكاء الفرح كما ظن هو .. بل هو الكبت مرة أخرى .. ما هي الفائدة؟ .. أدركت وتأكدت في الجامعة أني طبيباً ماهراً .. ولكني لست معجزة .. أنا مجرد طبيب آخر! .. إنجازاتي لا تساوي شيء بدون من يشاركني فرحتي.
اذا لم يكن هناك من يسألني عن أخباري أو عن شهاداتي أو وظيفتي .. فما الهدف؟
هل درست الطب كي أنقذ حياة المرضى .. وأنا لا حياة لي؟
هل نِلت الشهادات كي أعلقها كباقي الأطباء؟ .. أين أعلقها ولا يوجد من يزورني؟!
من سيراها؟!
بكيت كثيراً .. وددت أن ألقي بالشهادة من الشُرفة لأراها تتكسر بعد ارتطامها بالأرض بعد أن يحطها السيل من علٍ!
هكذا سيراها عدد أكبر من المارة!
لم أتوقف عن البكاء الا مع أمي القروية العزيزة!
سألتني: "لم تبكي يا (محمد)؟"
قلت أنها دموع الفرحة لأني قد أصبحت دكتوراً
قالت: أومال انت كنت ايه كل دا؟
ضحِكْت من قلبي!

* * * *

27 – ديسمبر – 2017
اليوم فتحت دفتر مذكراتي الذي ظل مغلقاً لمدة تقارب الثلاثون عاماً!
لقد أنشغلت كثيراً بنجاحاتي .. عيادة فاخرة .. شهرة واسعة .. العديد من شهادات التقدير.
نسيت أنه لم يعد هناك من يسمعني .. لم أفكر وحدي أو اتأمل في حياتي.
ولكن اليوم .. ومع قراءتي لتلك المذكرات اللعينة .. وجدت أن حياتي قد ذهبت هباء!
كل تلك الانجازات ولا يوجد من يسمع.
لا أصدقاء.
مجرد أطباء شباب يعملون معي بكل كد من أجل التعلم وليس حباً في.
ممرض في أرذل العمر .. يعمل معي منذ عشرون عاماً .. أعلم أنه يسرقني .. وهو لم يتأخر عني طوال تلك الفترة من أجل النقود وليس من أجلي.
لا يوجد من يسمع!
لا يوجد من أحكي له كيف أصبحت ماهراً بهذا الشكل!
لابد أن هناك قصة كفاح وراء كل نجاح، الناس تقابل الناجحين فتظن أنه نتيجة الحظ، أو نصيب يصيبنا به الله كيفما يشاء فلا راد لقضائه، ولا يفكرون أبداً في الألم والجهد الذي أوصلنا لتلك المكانة!
هل يهتم أحد بمعرفة سبب تفوقي في الدراسة؟ .. هل يعبأ أحد بمعرفة (فاتن/نجلاء) التي كانت سبب الانكفاء على الاستذكار حتى أنساها؟
هل هناك من قد يرق قلبه لوفاة أبي؟ الحادثة التي كانت السبب في العمل بشكل متواصل حتى لا أبكي؟
حتى أنتم يا من تقرؤون، هل هناك منكم فكَّر هل أعيش بمفردي أم تزوجت؟ هل أمي لازالت معي أم لا؟ هل هناك من يعبأ بصحتي؟
بل والأدهى .. هل هناك شخصاً واحداً قد يبكي لوفاتي؟
الكبت .. الكبت .. لا أشعر أني على ما يرام!
صداع رهيب!
لا يوجد صديق أستنجد به.
وزملائي في العمل أخجل من أتصل بهم في هذا الوقت.
ولكن الألم يزداد.
فلأتصل بالنجدة اذن!

* * * *
15 – مارس – 2018
مرت الأزمة!
جلطة في المخ أقعدتني كثيراً .. شهران خضعت فيهما للعلاج .. شفيت تماما ما عدا شيئاً واحداً.
أصبت بالخرس!!
نعم!
قالها الطبيب المعالج بأسى!
"أخشى أنك لن تكون قادراً على التحدث مرة أخرى .. ولكن هذا هيّن .. نحمد الله انك سوف تستطيع أن تمشي وتتمتع بصحة جيدة .. ويمكنك أن تكتب ما تشاء بدلاً من التحدث"
لن يفهمني أبداً .. لقد ظن أنني جننت!
ولكني أجده منطقي تماماً أن أضحك بتلك الطريقة الهستيرية!

* * * *

أغسطس 2018
ما بال الناس؟! .. ماذا يريدون؟! .. لا يكفون عن فحصي ومحاولة فهمي!
يقولون الكثير عن حالتي النفسية!
فليذهبوا للجحيم!
فيم يعنيهم ضحكي طوال الوقت؟!
اهتمامهم بي المفاجيء الآن، وشعورهم بالشفقة تجاهي بسبب عدم مقدرتي على الكلام تقتلني ضحكاً!
خمس شهور مرّت .. ولكني لازلت أضحك كثيراً عندما أتذكر!
وأضحك أكثر بسبب سعادتي لإقترابي من الخلاص.
نعم .. أشعر بذلك .. أخبرني به (توفيق)!
أخي (توفيق) .. لقد جائني في حلم.
كان يعبر القنال كبطل إغريقي .. ذاهب لتحرير (سيناء) وحده.
ولكنه أصيب .. انه يغرق .. نظر لي وقال: "أنا ذاهب .. ولكني سأنتظرك .. نحن على وشك اللقاء يا (محمد) .. لا تتأخر"
أعتقد أنه يعي ما يقول .. أنا ذاهب اليه.
ولكن قبلها يجب أن أخبر الجميع عما أعانيه .. عما أداريه .. يجب أن يعلم الجميع!
أقف في الشُرفة
هؤلاء الجالسون على المقهى .. هذا البواب الذي يغسل سيارتي .. هؤلاء الشباب العاطلون .. كلهم يجب أن يستمعوا لي قبل أن ألحق (بتوفيق)!
أنا قادم يا أخي .. سوف يقرأ الجميع مذكراتي .. ولكن أنت ستسمعني .. أعتقد أنه حيث سنتقابل لن تمثل عدم مقدرتي على التحدث أي مشاكل.
السلام عليكم ايها الأحياء المتمتعون بالتحدث سوياً في الشارع!
أمسكوا بالأوراق جيداً، كل واحد منكم يقرأ جزءً.
ثم تتبادلون الأوراق سوياً حتى تكملوا القراءة!
أما أنا فسوف أذهب لأنام فأنا أشعر بالدوار.

سأكف عن الكتابة!

النهاية!

* * * *
نهاية المذكرات
* * * *

كانت تلك مذكرات الدكتور (محمد جابر عبد السميع) .. تم العثور على تلك الأوراق مبعثرة .. شاهده بعض الجيران في الشارع، وهو يلقيها من شرفة منزله .. وتم تجميعها بصعوبة بالغة وقد صرح أحد شهود العيان أنه شاهد دكتور (محمد) يضحك بطريقة غير سوية وهو يلقي الأوراق من الشرفة قبل أن ينكسر الكرسي الذي يقف فوقه وهو يجذب الستائر ويسقط من الشرفة بدوره وراء أوراقه ليلقى حتفه بين بعض أوراق مذكراته وعلى وجهه ابتسامة لا تتناسب مع السقطة!

رحم الله الدكتور وادخله فسيح جناته.

* * * *


30-سبتمبر-2012



مذكرات بائع جرائد - الأجزاء من الأول إلى الرابع

الجزء الأول سوف أقٌص عليكم قصتي . أنا عبد القادر رضا، مواليد الخمسينيات من القرن الماضي . يناديني الجميع باسم عم عبده . ع...