الجزء الأول
سوف أقٌص عليكم قصتي.
أنا عبد القادر رضا، مواليد الخمسينيات من القرن الماضي.
يناديني الجميع باسم عم عبده.
عم عبده هذا كان يوماً ما الواد عبده .. أو مجرد عبده!
يتيماً كنت ضمن أربع أخوات، فتاة واحدة وثلاثة أولاد. أصغرهم أنا،
أخي الكبير هو الوحيد المتعلم، وأقصد بالتعليم هنا الوصول إلى الصف الثالث
الابتدائي.
لم يهتم أبداً بما وصل له، بل أنه كان سعيداً بخروجه من
المدرسة بلا رجعة.
أنا فقط كنت أسعد الناس بتعليمه، فهو من علمني القراءة، ولا
أعلم كيف كانت لتغدو حياتي من دونه!
ترك التعليم كما قلت وعمل نجاراً، بينما تزوجت أختي من صاحب
محل أدوات صحية ذو قرابة بعيدة لنا.
أخي الأخر للأسف قد سلك مسلكاً مخزياً وقد توفى في السجنِ،
وأنا لا أكٌف يوماً عن الدعاء له.
بينما أنا ...
أي رحلة طويلة كانت حياتي! طويلة بشتى الأصعدة، طويلة الوقت،
والمسافات التي قطعتها، والاحلام التي .. قُتلت.
عندما أتقنت القراءة أصبحت من أفضل الفتيان في حيّنا،
الأغلبية لا تعرف القراءة في محيط شارعي، ومن يعرف القراءة في سني يفعلها بصعوبة،
يقرأون كتب الأطفال فقط إن قرأوا شيئاً بخلاف المقررات المدرسية.
أما أنا .. فقد أدمنت القراءة، ربما هي الرغبة في التميز، فلا
يوجد لدي أي أفضلية على فتيان الحي، فتي فقير في حي بسيط، يتيم، صغير الحجم، تعس.
أو هو الانبهار بما أقرأه، فهذا عالم غريب لا يوجد وسيلة أخرى
لمعرفته.
نافذة على الكون، والنافذة الوحيدة!
هل يعلم هؤلاء التعساء، جيراني من الفتيان، أن هناك مركبات
فضائية؟
آلة زمن؟
رجل خفي؟
حياة تحت البحار؟ هل يمكنهم تخيل البحر أصلاَ؟
هل يعلمون أن هناك جواسيس بريطانيين يركبون السيارات الفارهة
ويمزجون الفودكا بالمارتيني عن طريق الهز وليس التقليب؟!
هل يعلمون ان هناك فقراء مثلنا في أوساط ترعى فيها أفكار
الجهل، ولكن رغم ذلك يبرز من داخلها طبيب مصري يدعى إسماعيل، يذهب إلى المانيا
لدراسة طب العيون ويعود إلى مصر ويقضى وقته محاولاً القضاء على خرافة العلاج
بالزيت الذي يقدسونه؟!
هل يعرفون كيف كافحت طيبة من أجل طرد الهكسوس؟ هل قرأوا
التاريخ بهذا الشكل الأدبي المبهر كما أحكم سرده نجيب محفوظ؟
هل يعلموا أن هناك تاجراً يبيع حبوباً تبدل من شخصيتك؟! تجعلك
شجاعاً تارة ومحظوظاً تارة أخرى.
وهؤلاء الذين يظنون أن الفتيان الذين يقطنون حيّنا هم الأكثر
بؤساً، هل يعرفوا كم أن لندن نفسها، أحد أعظم عواصم العالم، كان يعيش فيها فتى قد
يتمنى أن يختبر رفاهية حياتنا كما عرفنا من تشارلز ديكنز.
كل هذا كنت أعرفه وأحفره في رأسي الصغير في الخمسينيات
والستينيات، قبل حتى أن يبدأ أخرين مثل جارسيا ماركيز بالكتابة.
كان في أخر حيّنا كشكاً للسجائر، يطرح كتباً مستعملة للبيع
على الرصيف المجاور.
بطبيعة الحال كنت أبحث عن عملاً وأنا بعد طفلاً صغيراً، فكنت
أقف مع صاحب الكشك للبيع، فكان يسمح لي بقراءة الكتب المستعملة بشرط ألا أمزقها أو
أبليها أكثر مما هي مهترئة أصلاً.
وكان هذا هو مصدر الالهاء، ومصدر الثقافة، ومصدر كل بهجة في
حياتي.
كانت المشكلة الوحيدة في القراءة أنها تجعلني أشعر أني أفضل
من الجميع.
أنا الأذكى هنا، الأكثر ثقافة وعلماً.
أنا أحب فتحية، الخادمة الجميلة، التي تعمل في منازل
الأثرياء. أرى أنها أجمل من أن تعمل خادمة.
أراها يومياً وهي تخرج من حيّنا مروراً بالكشك، ومرة أخرى عند
عودتها، كنت أنتظر الخطوات العابرة تلك يومياً بشغفٍ ربما هو أقوى من شغفي للقراءة
ذاتها!
ولكن .. أنا أفضل من الجميع .. فهل أتزوج خادمة؟!
والمشكلة الأكثر تعقيداً، هل تهتم هي؟ أنا أفقر منها! أنا
أبدو كمتسول متسخ بجانبها، فهي تمتلك بعض الملابس الأنيقة مقارنة بباقي الحي،
نظراً لظروفها المادية من العمل عند الأثرياء وأيضاً بسبب بعض الملابس القديمة
التي تحصل عليها عندما يصبح هؤلاء الأثرياء في غنى عنها!
إذن فتلك الهبة التي امتلكتها، الثقافة، هي ملاذي ومصدر
سعادتي، ولكنها أيضاً لعنتي!
بالفعل رفضتني فتحية، بل لفظتني في تقزز جرح كبريائي الزائف!
ثم روحية!
حتى عطية!
وأيضاً صفية!
يا للهول!
ألا توجد من تبحث عن عقل مثقف بلا مال ولا شهادات؟!
فقط جميلة وافقت!
كنت أنا لازلت فقيراً كما كنت، فقط أكثر ثقافة، فثقافتي تزداد
يوماً بعد يومِ بلا توقف.
أصبحت أقرأ الجرائد وأناقش المشتريين في كل الأمور.
تحدثت عن عبد الناصر والسادات وكل من جاء بعدهما.
أبديت أراءً كثيرة عن الثورات الكثيرة التي عايشتها.
كنت أقول رأيي بصراحة وجرأة، وينصحني الناس بالصمت حتى لا
أغضِب أحداً، ولكني كنت أذكى منهم جميعاً، وأعلم أني في مأمن من أي بطش.
أياً كانت أرائي، من سيهتم بصعلوكِ لم يخطو باب مدرسة واحدة
ويعمل في كشك سجائر؟!
أنا أذكى منكم.
أنا أعلم منكم.
ولكنكم لا ترون!
تركت العمل بالكشك لأني مللت!
فقد قرأت كل شيء!
لم يكن الأمر حينذاك مثل اليوم، كل من يريد نشر رواية يستطيع
أن ينشرها، هيهات!
كل من يملك هاتفاً محمولاً يمكنه تنزيل أي عدد من الروايات
ليتسلى! كان هذا ضرباً من الخيال!
كانت الروايات تصدر وتطبع بشكل بطيء، عدد قليل جداً سنوياً،
وأنا لدي شغف للمعرفة!
أصبحت بائعاً للجرائد!
أركب دراجة وأجول بها الدروب!
بعض الناس اتفقوا معي على مبلغ شهري كي ألقي بالجرائد في
شرفاتهم.
والبعض يشتري مني في إشارات المرور.
وأنا أثرثر مع الجميع!
أوزع خبراتي ومعلوماتي على البشر الحمقى!
كنت أثرثر وأثرثر حتى يلوحون لي بملل ويرحلون.
ثم تغير كل شيء بعدما تزوجت جميلة!
وتلك حكاية أخرى.
يتبع!
9
أبريل 2020
الجزء الثاني
لم تكن جميلة هي قصة الحب التي تتوقعوها.
لم تكن جميلة هي قصة الحب التي تمنيتها.
ولم تكن جميلة حتى اسماً على مسمى!
جميلة هي ابنة عمي، فتاة قروية طيبة، حنون، جدعة، تستطيع أن
تقوم بعمل عشرة رجال.
كنت في زياراتي القليلة لقريتي أقابلها، كنت اتناقش كثيراً مع
أخيها الذي أكمل دراسته حتى تخرج من الجامعة، كان فتى جيداً، متعلماً، ويعد بارعاً
في عمله كمحاسب، ولكنه ليس مثقفاً، فكنت دائماً ما أتعمد اظهار اخطائه في كل نقاش.
ربما كرهني جداً، ولكن جميلة أحبتني.
كانت تعرف القراءة ولكنها لم تنهي دراستها الابتدائية.
ولكني كنت أرى الذكاء في عينيها، تبدي ملاحظات ساذجة ولكنها
تظهر أنها تفكر كثيراً قبل الرد. تخطئ نظراً لضعف معلوماتها، وليس بسبب غباء.
الحقيقة أني أميل إليها كثيراً.
في أحد الزيارات لقريتي، في عزاء أحد الأقارب، أخبرني قريب لي
بأني كبرت وقد حان وقت زواجي، وحين سألته من الحمقاء التي ترضى بالزواج مني. (فقد
تقبلت فكرة أن جودة الزواج وصلابته تقاس بالماديات وليس الثقافة) أخبرني لم لا تأخذ
جميلة؟
وجدتها فكرة مقبولة.
لا أحبها ولا أرى أنها جولييت، ولكني أيضاً لست روميو!
ربما تكون أفضل زوجة، بل ربما أنا لا أستحقها أصلاً.
عندما فكرت بهذا الشكل أدركت أن بقلبي شيئاً يخصها!
أنا أرى نفسي لا أستحق فتاة غير متعلمة؟! هو الحب إذن!
وبالفعل صارحت أخيها بطلبي الزواج منها فلم يعترض، ولكني
طالبت أن أجلس معها وأشرح لها كل شيء عني قبل أن توافق أو ترفض.
أخبرتها كم أنا فقير، وكم أني لا أعلم شيئاً بخلاف الكتب!
لا أعلم شيئاً عن التجارة!
لا أعلم شيئاً عن الحرف اليدوية!
ولا أرى نفسي إلا بائعاً للجرائد، إلا إن قبلوا بتعيين رجلاً
لم يدخل مدرسة كناقد أدبي في الجامعة، ولا أعتقد أن هذا قد يحدث قريباً.
قالت: صديقتي تعمل في جريدة الأهرام، ربما يمكنك العمل كمحرر
أو مراجع لغوي أو أي وظيفة بسيطة هناك.
وهنا عرفت أن ما في قلبي تجاهها ليس تخميناً، بل هو واقع حقاً.
لقد وجدت لي مستقبلاً، ربما يمكن أن يحدث أو لا. ولكن الأهم
أنها أعطتني أملاً.
بالإضافة إلى أن هذا الاقتراح هو بمثابة موافقة على الزواج!
يبدو أني وجدت ضالتي.
ربما كان القادم أفضل!
ستأتي جميلة لتصبح الحياة جميلة!
وبالفعل بعد عدة أسابيع كانت تقطن معي في شقتي الحقيرة!
غرفة صغيرة وحمام!
لكنها لم تعترض أو تطلب أكثر.
طلبت فقط موقداً للطبخ حيث أني كنت أكل دائماً طعاماً لا
يحتاج إلى الطبخ!
وطلبت مني أن أجد دولاباً صغيراً أو صندوقاً لحفظ كتبي
المتناثرة في جميع الأنحاء.
وكانت تقوم بتلميعهم وترتيبهم وتهتم بهم جيداً.
عدة سنين مضت، وأصبحت عم عبده!
تمنيت أن أكون أبو أحمد
أبو مصطفى
أو عبير
ولكن لم يكن هذا مكتوباً أو مقدراً
لم أشتكي
كانت جميلة معي، والكتب معي.
لدي في عقلي وخيالي آلاف الشخصيات، وأنا سعيد معهم جميعاً.
أحيا في خيالي حيوات كثيرة مميزة.
أكون رئيس الدولة أحياناً ثم أستيقظ بلا حزن.
ثرياً مرفهاً ثم أستفيق بلا ندم.
مقاتلاً شديد القوة، ثم أعود لحياتي غير آسفاُ.
فلم لا أتخيل أسرة كبيرة حتى أعود للأرض سعيداً بما تخيلته؟!
حتى جميلة لم تشتكي!
قالت إنها سعيدة معي، كانت حياتها بائسة تماماً والآن أصبحت أنا موظفاً أقل بؤساً، وتمكنت من إيجار شقة أكبر لم أحلم بها من قبل.
سعداء كنا، لدينا شُرفة صغيرة نمضي فيها وقتنا في القراءة
وسماع الراديو.
وكنا نستمتع بالهوايتين في نفس الوقت، أقرأ كتبي بينما هي
تستمع إلى موسيقاها المفضلة الخافتة.
10
سنوات مرت على هذا الحال.
حتى فوجئناً يوماً بهذا الغثيان!
الرغبة في العنب في غير أوانه!
مقت أنواع الطعام التي تحبها
أخبرتني ثقافتي بالسبب، كما أخبرتها غريزتها، ولكننا خشينا
الاعتراف بهذا جهراً.
لقد أخبرنا أكثر من طبيب أنه لا أمل لدينا، فكيف حدث هذا؟!
أخشى ما أخشاه أن أفرح وأهتف وأرقص ثم يأتي طبيب لعين ليخبرني
أنه حمل كاذب، كليشيه الأفلام السخيف!
فلنذهب للطبيب إذن بشكوى الألم!
الألم فقط!
داعيين الله أن نعود بفرحة.
مر الليل بلا نوم!
قرأت كثيراً
أعترف أنه اليوم الوحيد الذي قضيت معظم قراءاته مع القرآن!
وربما كان هذا أول يوم أبكي فيه منذ كنت رضيعاً.
دموع الفرح، ودموع الخوف من أن أُرّد حزيناً.
لا!
لا أخاف الحزن.
أخاف حزنها هي.
يا الله ... ترى ماذا سيجد الطبيب؟!
يتبع
11
أبريل 2020
الجزء الثالث
مرت السنين، وأصبحت أبو فاطمة.
بعض الجيران أصروا على أن ينادوني بعبده أو عم عبده، لأني لم
أُزق بذكر، ولكن جميلة تناديني بأبو فاطمة.
وهو أحب الأسماء إلى قلبي.
فاطمة، التي جاءت بعد طول انتظار.
جاءت مفاجأة.
سعادة غامرة جاءت بعد يأسٍ.
ما أجملها من مفاجأة، وما أجملها من فتاة.
أجمل فتيات الكون، ربما حبي لها هو ما يجعلني أرى هذا.
لا أعتقد أني رأيت ما يسرني أبداً كوجهها. هل هي نظرة الأب؟
هل قلبي هو من يقيّم جمالها؟ أم هي حقاً جميلة الجميلات؟ لا أعلم!
كبرت فاطمة!
حاول البعض أن يقنعني ألا الحقها بالمدرسة!
ولكن أنا وجميلة كنا متفقين تماماً على الأمر.
الفتاة ستتعلم .. بل ستصبح نابغة!
لماذا أمنع عنها فرصة أن تصبح أديبة عظيمة مثل جاين أوستن؟!
أو مبدعة مجددة مثل أجاثا كريستي!
أو حتى صادمة ومرعبة مثل ماري شيلي؟
فلتكن ما تريد، ولكن يجب أن أترك في يدها كل المقومات التي
تسمح لها بالاختيار!
وبالفعل نشأت الفتاة على الأدب والقصص.
كنت أنا وجميلة نروي لها القصص طوال الوقت.
تقرأ لها جميلة روايات عربية، عن نادية مثلاً التي لا تنام!
عن خمسة أصدقاء تروي قصتهم على المقهى تاريخ مصر الحديث كله
في براعة.
تعلمها، عن طريق الرواية، كيف أن بعض الفتيان الفقراء يتجملون
أمام الفتيات ويتظاهرون بالثراء رغم أن الفقر لا يعيب صاحبه مثل الكذب.
عرفت حال مصر أثناء الحرب عن طريق قصص كقصة نعمت الصحفية
وعملها التطوعي مع الجنود المصابين في الحرب.
بينما أخذت أنا على عاتقي قراءة الروايات الأطول والأعقد،
مثلاً حكيت لها كيف تأثرت حياة أربع فتيات (ميغ ـ جوـ بيث ـ آيمي) في زمن الحرب
وكيف أصبحت حياتهن بعدما فقد الأب أمواله وأصبحن فقيرات بعد الثراء.
رويت لها قصة بيب الذي تغيرت حياته بمعرفة العجوز الطاعنة في
السن الأنسة هافيشام التي تحتفظ بكل ما يخص مراسم زواجها الذي لم يتم في شبابها،
حتى الساعة المتوقفة منذ تركها حبيبها بعد أن سرقها.
ومع القراءة أصبحت فاطمة أذكى البنات في صفها، حتى تم تكريمها
أكثر من مرة.
وفي أحد الأيام أخبرتني أنهم يريدون أن أذهب إلى المدرسة،
أخبرتني أنها تسببت في مشكلة ما.
ذهبت وقلبي مليء بالحزنِ.
كانت في الصف الثاني الثانوي، ذهبت أنا وجميلة مثلما أصرت
فاطمة!
وكانت المفاجأة، أن فاطمة أعدت بحثاً عن قصة حياتي وتدرجي في
وظيفتي البسيطة التي لا تتطلب تعليماً وكيف أني أصبحت أعمل مساعداً للجميع بلا
مقابل بفضل معلوماتي الجمة ومفردات لغتي العربية التي لا تستعصى عليً أبداً.
وكيف أني أسهمت في نشأتها وتفوقها في الدراسة حتى أصبح الجميع
ينصحها بالعمل في المجال الصحافي أو الأدبي وتنبؤوا لها بمستقبل باهر.
ونتيجة لكل هذا .. ما كان هذا اللقاء الذي أنا بصدده في
المدرسة الا حفل تكريم لي!
الأب المثالي!
القدوة التي يجب أن يحذو حذوها الجميع!
حسناً إذن، ها أنا أبكي مرة أخرى!
أكثر من أي مرة!
يا فتاتي الحبيبة!
لا أستحق كل هذا الفخر!
لم أرد أبداً إلا أن تكوني سعيدة!
أياً كان ما قدمته لكي من سعادة لا يساوي أبداً سعادتي
بابتسامة واحدة وأنت تنظرين إليً!
بعد كل هذا العمر، مهما نسيت من أحداث حياتي، لا أنسى هذا
اليوم أبداً!
أفضل أيام حياتي!
لم أحصل على أي تكريم أخر يوماً.
لم أشعر بأن الناس تراني بهذا التقدير أبداً.
كنت أرى نفسي في شبابي الأذكى بين أقراني، وهم أغبياء لا
يعرفون.
ولكن في هذا اليوم أدركت أني مغرور، وأن الناس قد يفهمون
ويقدرون، بوجود فتيات مثل فاطمة في الكون!
يتبع!
13
أبريل 2020
الجزء الرابع
يا للهول!
مرت السنين وأصبحت فاطمة عروس!
لم أكره أحداً من قبل مثل هذا المدعو هشام.
لطالما حاولت اقناع جميلة أن فاطمة لازالت طفلة.
كيف يا قوم تطالبونني بتسليم ابنتي إلى رجل غريب!
ألّا تباً للزواج وتباً لكم!!
كانت جميلة تضحك بشدة!
بينما تكتم فاطمة ضحكاتها خلف نظرات مشفقة!
وأنا أبكي!
من هذا الغريب الذي يريد أخذ ابنتي مني؟
فاطمة: أعرفه جيداً وأحبه ويحبني!
أقول: وما أدراها أنه ليس وغداً؟
أنها لازالت طفلة ساذجة.
قالت جميلة: أنها في الخامسة والعشرون!
أعدت: لازالت طفلة!
جميلة: أنها معيدة بالجامعة وتحضر الماجيستير!
أصررت: لازالت ساذجة!
هذا رجل غريب..
فاطمة: اسمه هشام!
أقول: فليكن! رجل غريب، اسمه هشام، يريد أن يأخذك إلى منزل بعيد،
تظنين أنه رجلك وسندك وحارسك؟! من أكون أنا إذن؟!
أقسمت هي وجميلة أني كل شيء في حياتها.
حدثوني عن سُنّة الحياة.
جعلوني أشعر لأول مرة أني أنا الساذج. أنا الذي لا يعلم شيئاً!
أنا أضعف من الجميع!
وها نحن في الزفاف، الكل يرقص، تلك الحمقاء لا تكف عن الضحك!
أنه أسعد أيام حياتها بحق!
لماذا لا أكف أنا عن البكاء إذن!!
تأتي من وقت لأخر لتقبلني وتضمني وتعود للفرح والرقص، وجميلة
العزيزة المتعبة دائماً تتبعها طوال الوقت.
تلك العزيزة التي طالما تحملت كل شيء من أجل تلك الأسرة
ولكنها لم تنعم أبداً بالسعادة التي تستحقها.
غرقت في أفكاري حتى أنقضت الليلة وعدت إلى منزلي، ودخلت غرفتي
شبه زاحفاً.
جلست في سريري لا أقوى على تغيير ملابسي.
جلَسَت جميلة بجانبي وقالت: ألم ترى فرحتها؟
رأيت!
ولا زلت حزيناً؟
أكثر حزناً!
نظرت لي في تساؤل، فابتسمت وشرحت لها ما يدور برأسي المنهك.
هل تعلمين يا جميلة؟
لقد أدركت اليوم كم أنا أناني!
أردت أن تظل بجانبي رغماً عنها، والأدهى أني لم أفكر معكِ
بهذا الشكل.
لقد أخذتكِ من أهلِك مثلما فعل، بل وسافرت بكِ إلى القاهرة
ولم أهتم بهم!
كنت لعيناً مثل هشام ولم أعبأ بأحد.
قالت جميلة ضاحكة: ولكنك برهنت على كونك رجلاً أصيلاً ولم
تؤذني. هل يمكن أن تطمئن الآن؟
قلت: ومن قال هذا؟
هل شاهدتِ فرحتها اليوم؟ هل شاهدتِ كيف استأجر هشام هذه
القاعة الصغيرة من أجل الاحتفال؟ هل نسيتِ
أنه موظف محترم؟ هل تذكرين كم مرتبه؟
ألا ترين كيف أضاء وجوده وجهها؟
ماذا قدمت أنا من أجلكِ؟
الكتب المهترئة والحجرة الصغيرة وسنين من الملل وأمومة متأخرة؟
جميلة: ماذا تقول يا عبده!
لا تكفر بنعم الله!
لقد من علينا الله بالرضا والذرية الصالحة ونعمة الزواج لمدة
٣٥ عام بلا حزن أو مشاجرات، وقد تدرجت في وظيفتك وجعلتني دائماً أفخر بك وبابنتنا
التي تعلمت كل شيء منك.
قلت: لا! تعلمت مني
القصص والثقافة، ولكنها أخذت منكِ الروح الطيبة والقوة والمثابرة.
الحقيقة أنني كنت دائماً المحظوظ في هذا المنزل الذي لم يكن ليمتلئ
بالحب والرضا والقوة من دونك!
وهكذا انتهت الليلة، وقد تعلمت
معاني جديدة لا نتعلمها من الكتب! على يد أمرة نصف متعلمة وطفلة في الخامسة
والعشرين!
وهكذا مرت الأيام في هدوء، وتقبلت فكرة ابتعاد فاطمة عني، فقد
أخذت قلبي معها على أي حال.
وكنت أظن أني لن أحب أحداً أبداً مثلها، حتى أدركت بقلبي، ومنذ
اللقاء الأول، معنى: "أعز الوِلد، وِلد الوِلد"!
الثالث من يونيو ٢٠٢٠
يتبع قريباً إن شاء الله بالحلقة الأخيرة.

No comments:
Post a Comment