مذكرات بائع جرائد
#حاسليكم_في_الحظر
#محمود_أحمد_فايز
سوف أقٌص عليكم
قصتي.
أنا عبد القادر
رضا، مواليد الخمسينيات من القرن الماضي.
يناديني الجميع
باسم عم عبده.
عم عبده هذا كان
يوماً ما الواد عبده .. أو مجرد عبده!
يتيماً كنت ضمن
أربع أخوات، فتاة واحدة وثلاثة أولاد. أصغرهم أنا، أخي الكبير هو الوحيد المتعلم،
وأقصد بالتعليم هنا الوصول إلى الصف الثالث الابتدائي.
لم يهتم أبداً بما
وصل له، بل أنه كان سعيداً بخروجه من المدرسة بلا رجعة.
أنا فقط كنت أسعد
الناس بتعليمه، فهو من علمني القراءة، ولا أعلم كيف كانت لتغدو حياتي من دونه!
ترك التعليم كما
قلت وعمل نجاراً، بينما تزوجت أختي من صاحب محل أدوات صحية ذو قرابة بعيدة لنا.
أخي الأخر للأسف
قد سلك مسلكاً مخذياً وقد توفى في السجنِ، وأنا لا أكٌف يوماً عن الدعاء له.
بينما أنا ...
أي رحلة طويلة
كانت حياتي! طويلة بشتى الأصعدة، طويلة الوقت، والمسافات التي قطعتها، والاحلام
التي .. قُتلت.
عندما أتقنت
القراءة أصبحت من أفضل الفتيان في حيّنا، الأغلبية لا تعرف القراءة في محيط شارعي،
ومن يعرف القراءة في سني يفعلها بصعوبة، يقرأون كتب الأطفال فقط إن قرؤا شيئاً
بخلاف المقررات المدرسية.
أما أنا .. فقد
أدمنت القراءة، ربما هي الرغبة في التميز، فلا يوجد لدي أي أفضلية على فتيان الحي،
فتي فقير في حي بسيط، يتيم، صغير الحجم، تعس.
أو هو الانبهار
بما أقرأه، فهذا عالم غريب لا يوجد وسيلة أخرى لمعرفته.
نافذة على الكون، والنافذة
الوحيدة!
هل يعلم هؤلاء
التعساء، جيراني من الفتيان، أن هناك مركبات فضائية؟
ألة زمن؟
رجل خفي؟
حياة تحت البحار؟
هل يمكنهم تخيل البحر أصلاَ؟
هل يعلمون أن هناك
جواسيس بريطانيين يركبون السيارات الفارهة ويمزجون الفودكا بالمارتيني عن طريق
الهز وليس التقليب؟!
هل يعلمون ان هناك
فقراء مثلنا في أوساط ترعى فيها أفكار الجهل، ولكن رغم ذلك يبرز من داخلها طبيب
مصري يدعى إسماعيل، يذهب إلى المانيا لدراسة طب العيون ويعود إلى مصر ويقضى وقته
محاولاً القضاء على خرافة العلاج بالزيت الذي يقدسونه؟!
هل يعرفون كيف
كافحت طيبة من أجل طرد الهكسوس؟ هل قرؤوا التاريخ بهذا الشكل الأدبي المبهر كما
أحكم سرده نجيب محفوظ؟
هل يعلموا أن هناك
تاجراً يبيع حبوباً تبدل من شخصيتك؟! تجعلك شجاعاً تارة ومحظوظاً تارة أخرى.
وهؤلاء الذين
يظنون أن الفتيان الذين يقطنون حيّنا هم الأكثر بؤساً، هل يعرفوا كم أن لندن
نفسها، أحد أعظم عواصم العالم، كان يعيش فيها فتى قد يتمنى أن يختبر رفاهية حياتنا
كما عرفنا من تشارلز ديكنز.
كل هذا كنت أعرفه
وأحفره في رأسي الصغير في الخمسينيات والستينيات، قبل حتى أن يبدأ أخرين مثل جارسيا
ماركيز بالكتابة.
كان في أخر حيّنا كشكاً
للسجائر، يطرح كتباً مستعملة للبيع على الرصيف المجاور.
بطبيعة الحال كنت
أبحث عن عملاً وأنا بعد طفلاً صغيراً، فكنت أقف مع صاحب الكشك للبيع، فكان يسمح لي
بقراءة الكتب المستعملة بشرط ألا أمزقها أو أبليها أكثر مما هي مهترئة أصلاً.
وكان هذا هو مصدر الالهاء،
ومصدر الثقافة، ومصدر كل بهجة في حياتي.
كانت المشكلة
الوحيدة في القراءة أنها تجعلني أشعر أني أفضل من الجميع.
أنا الأذكى هنا،
الأكثر ثقافة وعلماً.
أنا أحب فتحية، الخادمة
الجميلة، التي تعمل في منازل الأثرياء. أرى أنها أجمل من أن تعمل خادمة.
أراها يومياً وهي
تخرج من حيّنا مروراً بالكشك، ومرة أخرى عند عودتها، كنت أنتظر الخطوات العابرة
تلك يومياً بشغفٍ ربما هو أقوى من شغفي للقراءة ذاتها!
ولكن .. أنا أفضل
من الجميع .. فهل أتزوج خادمة؟!
والمشكلة الأكثر
تعقيداً، هل تهتم هي؟ أنا أفقر منها! أنا أبدو كمتسول متسخ بجانبها، فهى تمتلك بعض
الملابس الأنيقة مقارنة بباقي الحي، نظراً لظروفها المادية من العمل عند الأثرياء
وأيضاً بسبب بعض الملابس القديمة التي تحصل عليها عندما يصبح هؤلاء الأثرياء في
غنى عنها!
إذن فتلك الهبة
التي امتلكتها، الثقافة، هي ملاذي ومصدر سعادتي، ولكنها أيضاً لعنتي!
بالفعل رفضتني
فتحية، بل لفظتني في تقزز جرح كبريائي الزائف!
ثم روحية!
حتى عطية!
وأيضاً صفية!
ياللهول!
ألا توجد من تبحث
عن عقل مثقف بلا مال ولا شهادات؟!
فقط جميلة وافقت!
كنت أنا لازلت
فقيراً كما كنت، فقط أكثر ثقافة، فثقافتي تزداد يوماً بعد يومِ بلا توقف.
أصبحت أقرأ
الجرائد وأناقش المشتريين في كل الأمور.
تحدثت عن عبد
الناصر والسادات وكل من جاء بعدهم.
أبديت أراءً كثيرة
عن الثورات الكثيرة التي عايشتها.
كنت أقول رأيي
بصراحة وجرأة، وينصحني الناس بالصمت حتى لا أغضِب أحداً، ولكني كنت أذكى منهم
جميعاً، وأعلم أني في مأمن من أي بطش.
أياً كانت أرائي،
من سيهتم بصعلوكِ لم يخطو باب مدرسة واحدة ويعمل في كشك سجائر؟!
أنا أذكى منكم.
أنا أعلم منكم.
ولكنكم لا ترون!
تركت العمل بالكشك
لأني مللت!
فقد قرأت كل شيء!
لم يكن الأمر
حينذاك مثل اليوم، كل من يريد نشر رواية يستطيع أن ينشرها، هيهات!
كل من يملك هاتفاً
محمولاً يمكنه تنزيل أي عدد من الروايات ليتسلى! كان هذا ضرباً من الخيال!
كانت الرويات تصدر
وتطبع بشكل بطيء، عدد قليل جداً سنوياً، وأنا لدي شغف للمعرفة!
أصبحت بائعاً
للجرائد!
أركب دراجة وأجول
بها الدروب!
بعض الناس اتفقوا
معي على مبلغ شهري كي ألقي بالجرائد في شرفاتهم.
والبعض يشتري مني
في إشارات المرور.
وأنا أثرثر مع
الجميع!
أوزع خبراتي
ومعلوماتي على البشر الحمقى!
كنت أثرثر وأثرثر
حتى يلحون لي بملل ويرحلون.
ثم تغير كل شيء
بعدما تزوجت جميلة!
وتلك حكاية أخرى.
يتبع!
9 أبريل 2020
الجزء الثاني
لم تكن جميلة هي
قصة الحب التي تتوقعوها.
لم تكن جميلة هي
قصة الحب التي تمنيتها.
ولم تكن جميلة حتى
اسماً على مسمى!
جميلة هي ابنة
عمي، فتاة قروية طيبة، حنون، جدعة، تستطيع أن تقوم بعمل عشرة رجال.
كنت في زياراتي
القليلة لقريتي أقابلها، كنت اتناقش كثيراً مع أخيها الذي أكمل دراسته حتى تخرج من
الجامعة، كان فتى جيداً، متعلماً، ويعد بارعاً في عمله كمحاسب، ولكنه ليس مثقفاً،
فكنت دائماً ما أتعمد اظهار اخطائه في كل نقاش.
ربما كرهني جداً،
ولكن جميلة أحبتني.
كانت تعرف القراءة
ولكنها لم تنهي دراستها الابتدائية.
ولكني كنت أرى
الذكاء في عينيها، تبدي ملاحظات ساذجة ولكنها تظهر أنها تفكر كثيراً قبل الرد.
تخطئ نظراً لضعف ملعوماتها، وليس بسبب غباء.
الحقيقة أني أميل
إليها كثيراً.
في أحد الزيارات
لقريتي، في عزاء أحد الأقارب، أخبرني قريب لي بأني كبرت وقد حان وقت زواجي، وحين
سألته من الحمقاء التي ترضى بالزواج مني. (فقد تقبلت فكرة أن جودة الزواج وصلابته
تقاس بالماديات وليس الثقافة) أخبرني لم لا تأخذ جميلة؟
وجدتها فكرة
مقبولة.
لا أحبها ولا أرى
أنها جولييت، ولكني أيضاً لست روميو!
ربما تكون أفضل
زوجة، بل ربما أنا لا أستحقها أصلاً.
عندما فكرت بهذا
الشكل أدركت أن بقلبي شيئاً يخصها!
أنا أرى نفسي لا
أستحق فتاة غير متعلمة؟! هو الحب إذن!
وبالفعل صارحت
أخيها بطلبي الزواج منها فلم يعترض، ولكني طالبت أن أجلس معها وأشرح لها كل شيء عني
قبل أن توافق أو ترفض.
أخبرتها كم أنا
فقير، وكم أني لا أعلم شيئاً بخلاف الكتب!
لا أعلم شيئاً عن
التجارة!
لا أعلم شيئاً عن
الحرف اليدوية!
ولا أرى نفسي إلا
بائعاً للجرائد، إلا إن قبلوا بتعيين رجلاً لم يدخل مدرسة كناقد أدبي في الجامعة،
ولا أعتقد أن هذا قد يحدث قريباً.
قالت: صديقتي تعمل
في جريدة الأهرام، ربما يمكنك العمل كمحرر أو مراجع لغوي أو أي وظيفة بسيطة هناك.
وهنا عرفت أن ما
في قلبي تجاهها ليس تخميناً، بل هو واقع حقاً.
لقد وجدت لي
مستقبلاً، ربما يمن أن يحدث أو لا. ولكن الأهم أنها أعطتني أملاً.
بالإضافة إلى أن
هذا الاقتراح هو بمثابة موافقة على الزواج!
يبدو أني وجدت
ضالتي.
ربما كان القادم
أفضل!
ستأتي جميلة لتصبح
الحياة جميلة!
وبالفعل بعد عدة
أسابيع كانت تقطن معي في شقتي الحقيرة!
غرفة صغيرة وحمام!
لكنها لم تعترض أو
تطلب أكثر.
طلبت فقط موقداً
للطبخ حيث أني كنت أكل دائماً طعاماً لا يحتاج إلى الطبخ!
وطلبت مني أن أجد
دولاباً صغيراً أو صندوقاً لحفظ كتبي المتناثرة في جميع الأنحاء.
وكانت تقوم
بتلميعهم وترتيبهم وتهتم بهم جيداً.
عدة سنين مضت،
وأصبحت عم عبده!
تمنيت أن أكون أبو
أحمد
أبو مصطفى
أو عبير
ولكن لم يكن هذا
مكتوباً أو مقدراً
لم أشتكي
كانت جميلة معي،
والكتب معي.
لدي في عقلي
وخيالي آلاف الشخصيات، وأنا سعيد معهم جميعاً.
أحيا في خيالي
حيوات كثيرة مميزة.
أكون رئيس الدولة
أحياناً ثم أستيقظ بلا حزن.
ثرياً مرفهاً ثم
أستفيق بلا ندم.
مقاتل شديد القوة،
ثم أعود لحياتي غير آسفاُ.
فلم لا أتخيل أسرة
كبيرة حتى أعود للأرض سعيداً بما تخيلته؟!
حتى جميلة لم
تشتكي!
قالت أنها سعيدة
معي، كانت حياتها بائسة تماماً والآن أصبح أنا موظفاً أقل بؤساً، وتمكنت من إيجار
شقة أكبر لم أحلم بها من قبل.
سعداء كنا، لدينا
شُرفة صغيرة نمضي فيها وقتنا في القراءة وسماع الراديو.
وكنا نستمتع
بالهوايتين في نفس الوقت، أقرأ كتبي بينما هي تستمع إلى موسيقاها المفضلة الخافتة.
10 سنوات مرت على
هذا الحال.
حتى فوجئناً يوماً
بهذا الغثيان!
الرغبة في العنب
في غير أوانه!
مقت أنواع الطعام
التي تحبها
أخبرتني ثقافتي
بالسبب، كما أخبرتها غريزتها، ولكننا خشينا الاعتراف بهذا جهراً.
لقد أخبرنا أكثر
من طبيب أنه لا أمل لدينا، فكيف حدث هذا؟!
أخشى ما أخشاه أن
أفرح وأهتف وأرقص ثم يأتي طبيب لعين ليخبرني أنه حمل كاذب، كليشيه الأفلام السخيف!
فلنذهب للطبيب إذن
بشكوى الألم!
الألم فقط!
داعيين الله أن
نعود بفرحة.
مر الليل بلا نوم!
قرأت كثيراً
أعترف أنه اليوم
الوحيد الذي قضيت معظم قراءاته مع القرآن!
وربما كان هذا أول
يوم أبكي فيه منذ كنت رضيعاً.
دموع الفرح، ودموع
الخوف من أن أُرّد حزيناً.
لا!
لا أخاف الحزن.
أخاف حزنها هي.
يا الله ... ترى
ماذا سيجد الطبيب؟!
يتبع
يتبع
11 أبريل 2020

No comments:
Post a Comment