Friday, October 25, 2019

الشباك

(من وحي صورة أرسلتها لي سمر سمير)


صورت هذه الصورة من عدة أشهر.
طالما ألهمتني كي أكتب عنها.
طالما أردت أن أتخيل قصة تدور في حياة هذا الرجل، قصة مؤثرة ملهمة! ولكني بالطبع لا أملك موهبة الكتابة!
هذا الرجل يجلس بهذه الطريقة منذ أصبحت شاباً أمضي جل وقتي في مراقبة الشارع طمعاً في قصة غرام مع جارة شابة تبحث في حماقة مثلي عن حب حياتها، وهي في الغالب قصة ستنتهي بتبادل النظرات لفترة، مما يؤثر سلباً على درجاتي الدراسية، ثم يوماً أجد فتاة أخرى في الكلية أو في أي مكان فأنساها وتنساني! وأتذكرها من حين للأخر لأعرف كم نحن حمقى جميعاً ونعيش في عالم وهمي يبدأ في قصص الرومانسية ثم الطموح العملي ثم تتطور الحياة التخيلية الزائفة في عالم التواصل الاجتماعي الوهمي ثم ... ثم .. يمكنني أن أستمر حتى الصباح في هذا الحديث عن حماقاتنا ولكن ليس لهذا أي أهمية خاصة بقصة الرجل، سأصمت إذن.
المهم أني أخذت أراقبه دائماً، فضولي تجاهه دائماً ما تغلب على رغبتي الحمقاء في مراقبة الفتيات. كانت نافذته في الدور الأرضي مثلي، يمكن لأي شخص مار أن يراه كما أراه أنا، ولكن كما يبدو كنت أنا الفضولي السخيف الوحيد.
حاولت كثيراً معرفة قصته، هل عاش هنا من قبل أن أبدأ أنا في مراقبته؟ أم قبل أن أولد؟ أم قبل أن يأتي أبواي إلى هنا؟
ولماذا هو وحيد؟ هل ماتت زوجته؟
هل تخلى عنه أبنائه؟
هل هاجروا؟ أم هم فقط أبناء عاقون؟!
أم أن زوجته لم تنجب أبدا؟
هل (العيب منه ولا منها)؟
أم أنه لم يتزوج أصلاً؟
ولماذا؟
هل هو عاشق للوحدة؟ أم أنه سخيف وغير محتمل؟!
ربما كان هناك حباً في حياته، فتاة شابة رفضته فأبى أن يتزوج بعدها! لقد احترمته كثيراً! يندر أن نرى هذا الوفاء في عصرنا هذا!
ماذا لو كان وجهه مشوهاً! لهذا هو هنا يعتزل الناس! لقد أختبأ وأعطى العالم ظهره غير آسفاً!
كيف إذن يجني ما يكفيه كي يحيا بدون أو يواجه العالم بهذا الشكل!
كم أتمنى أن أعرف، يا ليتني أجد الطريقة التي ألزم بها منزلي وأظل أكسب مالاً!
ربما أنا أحسده وهو لا يكسب أي شيء، ربما لديه أقل القليل، ربما ابنه العاق يرسل إليه مبلغاً شهرياً لا يكفي طعامه! ربما يشعر بالجوع الآن ولا يشعر به أحد!
وهو (المسكين) لا يشتكي حتى لا يجعل أياً كان يسب ابنه! لقد احترمته أكثر الآن! ولكن يا رجل كان الأجدر بك أن تصفع هذا الابن وتربيه! (حيوان صحيح)!
لاحظت أنه يجلس تلك الجلسة يومياً من الظهيرة وحتى العاشرة مساءً فقط! بعدها دائماً ما يبتعد عن النافذة التي تظل مفتوحة، ولكن تضيء الغرفة المجاورة فأعلم أنه نقل مجلسه ولا أعلم لماذا، قلت ربما يريد تشغيل المكيف ليلاً أو ربما ليشاهد التلفاز. بالتأكيد لمشاهدة مسرحية نايل كوميدي! أنها بالتأكيد تذكره بماضيه! ربما كان يعمل (مساعد مخرج) في مسرح الريحاني أو مع عبد المنعم مدبولي!
ربما يشاهد (هاللو شلبي) التي تذاع أسبوعياً ويشعر بالفخر قائلاً أنا من صورت هذا العمل! أنا الرجل خلف الكاميرا! أنا من خلدت تلك الصورة ذات الألوان المتدرجة فقط ما بين الأبيض والأسود!
الشهور تمُر، وأنا لم أعرف قصته، ولم أجد فتاة تثير فضولي، ولم أرسب الحمد لله.
وإذا بأبي يوماً ينهي مكالمة تليفونية ويقول لا حول ولا قوة الا بالله!
- ماذا حدث؟
- لقد توفى الأستاذ محمد مختار!
- من هو محمد مختار؟
- جارنا في الدور الأرضي في البناية المقابلة!
- ذلك الرجل الذي يجلس دائماً أمام نافذته؟
- هذا هو، رحمه الله.
- هل تعرفه؟!
كانت المفاجأة قاسية!
دليل أخر عن مدى حماقتنا! كان أبي يعرفه ويعرف تفاصيل حياته كل هذا الوقت وأنا زرعت نفسي في مستنقع من الجهل والضلالات بلا داعٍ!
وأخيراً عرفت قصته!
أنه روائي! ليس مشهوراً بشكل كبير، قِلَة من الناس يعرفونه ولكن معظمهم يقدرونه فعلاً.
قمت بشراء بعض كتبه لعلني أتعرف عليه بشكل أكبر. مات الرجل ولكن لم يمت فضولي!
أكثر ما أعجبني كانت مجموعة قصص قصيرة، اسمها "من وراء النافذة"!
سأنقل لكم فقرتين من الكتاب:
الفقرة الأولى:
"هذا الكتاب هو مجموعة قصص، استوحيتها كلها من مراقبتي للشارع، كنت أجلس بظهري خلف نافذة داري في الدور الأرضي متظاهراً بالقراءة، واضعاً مرآة صغيرة أمامي أراقب بها الشارع والناس من خلفي دون أن يلاحظوا. كنت أمضي يومي في المراقبة، مما أوحى إليَ بخمس وثلاثون قصة قصيرة! أخترت لكم منها واحد وعشرون قصة. ثم أذهب إلى غرفة مكتبي يومياً في العاشرة مساءً كي أكتب كل ما تخيلته عن الوجوه العابرة"
الفقرة الثانية:
"هذه القصة عن شاب صغير لا يمر من أمام النافذة، بل يقطن في البناية المقابلة، نافذته تقابل نافذتي، وهو شاب فضولي، لم يكف يوماً عن مراقبتي! لا أعلم لماذا يراقبني بهذا الشكل، أن والده رجل محترم جداً ولا أريد أن أشكيه ابنه فأغضبه، ولكني تخيلت قصة عنه أيضاً، ماذا لو كان أصلاً كفيفاً ولا يراني، بل هو فقط يستمتع بالهواء في نافذته! أو هو مجرد أحمق يبحث عن فتاة حمقاء، فالشباب في هذا السن تتحكم فيهم غرائزهم بشكل كبير فيصيروا .. "
يا لنا من حمقى جميعاً!!
11 سبتمبر 2019

No comments:

Post a Comment

مذكرات بائع جرائد - الأجزاء من الأول إلى الرابع

الجزء الأول سوف أقٌص عليكم قصتي . أنا عبد القادر رضا، مواليد الخمسينيات من القرن الماضي . يناديني الجميع باسم عم عبده . ع...