Thursday, November 15, 2018

ما يحدث وراء الجدار في اللحظات الأخيرة


المكان:
قاعة الانتظار امام غرفة العناية المركزة في إحدى المستشفيات – لا يهم الاسم!

التوقيت:
ليست فترة الزيارة المسموحة – ولا يهم الوقت!

الأضواء خافتة، ولا تجد إلا شخصاً واحداً خلف طاولة الاستعلام.
يشاهد أغنية شعبية على تطبيق اليوتيوب على محموله الرخيص في انتظار انتهاء مناوبته.

بينما زميلته الشابة الرقيقة تربت على كتف سيدة في حوالي السبعين من عمرها تبكي، وتقول لها: "ربنا قادر على كل حاجة يا ماما، ان شاء ربنا يعديها على خير"
تبكي المرأة الكبيرة أكثر وتقول بلهفة يائسة: "يا رب .. يا رب"
الممرضة: "مش الدكتور طمنك؟"
"قاللي ربنا كبير، بس قاللي مافيش في إيده حاجة، وقاللي مش عارفين السبب، وقاللي مافيش لازمة نشوف دكتور تاني"
ثم قالت والبكاء يتزايد: "وقاللي أدعيله"
الممرضة: "هو ابنك الوحيد يا ماما؟"
قالت الأم: "لأ عنده أخت أصغر منه بسبع سنين، عايشة برة مع جوزها"

ربتت عليها وقالت "ربنا يريح قلبك يا رب"

نظرت الأم لزوجها الذي يقف على مقربة منها، ينظر من الشباك، يتابع جيداً، كل هذا اللا شيء!!!
لم يغادر النافذة من 48 ساعة الا لدقائق معدودة، ربما هو أذكى من الأم، أنها تبكي وتدعي، وتجري وراء الأطباء الذين لا يكفوا عن طمأنتها رغم كلامهم الذي يشرح كل شيء! أنهم كاذبون، هم فقط لا يجسرون على اخبارها مباشرة، يخبرونها بكلام علمي معقد، ثم ينهون الحوار بعبارات مطمئنة كاذبة مثل: "المهم تدعيله" أو "إن شاء الله خير"!

أما هو، لقد كفّ عن القلق، وكفّ عن الدعاء، ليس كفراً! هو فقط ينتظر! لا يعلم ماذا سيفعل، لا يعلم متى سيبكي، كان يجب أن يبكي من الأمس ولكنه غير قادر، لا يعلم هل يجب أن يكون متواجداً من أجل زوجته؟ ومن سيكون موجوداً من أجله؟!
لماذا يجب عليه أن يكون سنداً لها؟! وهو بحاجة لمن يجمع شتاته من الأرض، ألن ينكسر؟!

هل سيبقى بعدها أصلاً؟ من قال أن توقف القلب الرابض خلف هذا الجدار لن يتسبب في توقف قلبه هو شخصياً!
لازال يتذكر كأنه الأمس نفس وقفته تلك، من 41 سنة، خلف جدار أخر، ليسمع بكاء ابنه لأول مرة!
شتان ما بين شعوره اليوم وشعوره يومها!
يومها كان ينتظر الحياة!
اليوم هو في انتظار ...
توقف أيها العقل اللعين عن التفكير، ودع الرجل يتابع اللا شيء مرة أخرى!
وتوقفي أيتها الاذان اللعينة أيضاً، فهو لا يريد سماع بكاء الأم!



على الجانب الأخر من الجدار، يرقد إسماعيل، تقول الأجهزة أنه حي، ولكن .. ما هي الحياة أصلا؟ً
ربما هو أبعد ما يكون عن الحياة!
وربما يكون أقرب للحياة من الألاف خارج تلك الغرفة اللعينة!
ربما قلبه لازال حياً بسبب شخص ما!
شخصاً سنقابله قريباً!

فتح باب غرفة الرعاية، ودخلت أخته ندى!
تلك التي تصغره بسبع سنوات وتعيش "برة مع جوزها" كما قالت الأم.
دخلت بخطى بطيئة مترقبة، نظر لها في حب.
قالت: "اتأخرت عليك"
إسماعيل: "المسافة من لندن بعيدة، وحجز التذاكر غالي"
ندى: "أزيك"
إسماعيل: "أنتي عارفة، وحشتيني قوي، مش مصدق إني ماشفتكيش من سنة ونص!"
ندى: "غصب عني واالله، الظروف صعبة والعيشة غالية ومتبهدلين"
إسماعيل: "أنا عارف، مش بالومك، بس حزين غصب عني"
سكت قليلاً ثم قال: "عرفتي حالتي؟"
ندى: "عارفة كل حاجة"
إسماعيل: "قابلتي بابا وماما برة؟"
ندى: "ماقابلتش حد خالص"
تنهد إسماعيل وقال: "وحشتيني"
بكت ندى كثيراً في حضنه، وأخذ يربت عليها ويقول: "ماتعيطيش، أنا كويس بجد، شوية تعب بس وخلاص"
"ماتضحكش عليا"
ابتسم ولم يعلق، سحبت هي كرسياً لتكون قريبة منه ومسكت يده في حنان وأخذت تقبلها من حين للأخر، عدة ساعات مضت، يذهب في رحلة لعالم أخر لا نعلم عنه شيئاً ثم يعود ليجدها مرة أخرى.

وفي إحدى تلك المرات تشجع، فلم يعد في العمر الكثير، وسألها: "ماتعرفيش حاجة عن (مي)؟"
ندى: "عارفة طبعاً، باكلمها علطول، بتسألني عليك دايما"
إسماعيل: "بجد؟"
ضحكت في خبث وقالت: "مالك فرحان كده؟"
"لأ عادي يعني"
ندى:"هو أنت لسه؟!"
إسماعيل بشجن: "لسه؟!"



ندى: "(مي) هنا في مصر، كانت بتكلمني امبارح، لما عرفت أنك تعبان اتضايقت جداً، قالت يمكن تيجي تزورك"
إسماعيل: "بجد؟ لأ قوليلها مافيش داعي، بعد ايه بقى"
ندى: "بعد ايه يعني ايه؟"
إسماعيل: "يعني ما خلاص"

ثم ذهب لهذا العالم الأخر مرة أخرى



عندما استيقظ إسماعيل مرة أخرى كانت المفاجأة، وجد مي بجانب ندى، يتحدثان في موضوع ما بهمس حتى لا يزعجوه!
ذعر إسماعيل! ماذا سيفعل؟ هذا خامس يوم له هنا!
لم يستحم!
لم يحلق لحيته!
عليكي اللعنة يا مي!
ثلاثون عاماً لا أفكر الا فيكي! لا أريد أن أقابل غيرك! وأخيراً جئتِ وأنا في أسوأ حال؟!
لماذا لم تأتي عندما فقدت الكثير من وزني وكان الجميع فخور بي؟!
لماذا لم تأتي لتريني في عملي بالبدلة الرسمية الأنيقة؟!
لماذا لم تأتي عندما كرموني في العمل؟!
لماذا الآن؟
لماذا بشعر لم أمشطه من أيام ولا أعلم كيف يبدو!
ربما برائحة نفس كريهة!
بزي المرضى هذا الذي يسمح بدخول الهواء لمؤخرتي!
أين كنتِ طوال تلك السنين؟!

أخذ إسماعيل يفكر ولا يفتح عينه حتى لا يعرفا أنه استيقظ!
لازال خجلاً كعادته!
لازال يتحاشى (مي)!
لازال قلبه يدق بعنف!

نظرت نحوه وقالت لندى: هل يحرك عيناه؟
ربتت ندى على رأسه فنظر لهما مضطراً وتصنع الدهشة وقال: "معقول؟ (مي)؟! ماعرفتكيش؟"



كيف لم يعرفها!
هذا هو وجهها ذاته من عشرة سنوات!
هو لازال يراقب حساب الفيسبوك الخاص بها من وقت لأخر!
يخجل أن يطلب صداقتها، يتمنى أن تفعلها هي، يعلق على نفس الأشياء التي كتبتها أخته ندى حتى يظهر في اخطارات الفيسبوك لديها ولكنها لم تتطلب صداقته أبداً!
حاول لفت نظرها أكثر من مرة!
هذا أنا يا حمقاء!
ها أنا أعلق في كل مكان مررتِ به في هذا الفيسبوك اللعين المزعج!
لم تتطلب صداقته أبداً! فلم يفعلها هو!

نفس الوجه بلا تغيير!
حتى ملابسها، لقد قابلها يوماً بذات الملابس من عشرة سنوات في عيد ميلاد ابنة ندى!



قال: "كيف حالك؟"
مي: "أنا كويسة، أنت أزيك؟ وحشتني قوي"
احمر وجهه وقال بلهفة: "بجد؟"
احمر وجهها أيضاً وقالت: "اه عادي يعني"
قالت ندى: "حاطلع أشوف بابا وماما بقى، ماشفتهمش من ساعة ما جيت"

خرجت ندى لعلها تترك لإسماعيل فرصة لحوار أخير!

إسماعيل: "أنتي وحشتيني برضه"
ابتسمت مي في خجل
قال: "أقول لك حاجة؟"
قالت: "أتفضل"
قال: "أنا بحبك"
قالت: "يا إسماعيل، الموضوع دا اتقفل! من سنين! وأنا متجوزة دلوقتي! عن إذنك"

خرجت مي من الغرفة! وشعر إسماعيل بالنهاية تقترب!
من قال أن الكبت يؤذي القلب؟!
ومن قال ان الحديث عما في القلب يريحه؟!
أن الحديث الذي ظل مكبوتاً في قلبه سنين عاش معه، ولكن البوح به الآن هو الذي سوف يقتله!



عادت ندى وقالت: "مالك؟ أنت تعبان؟"
حكى لها ما حدث، فبكت!
إسماعيل: "بتعيطي ليه بس؟"
ندى: "حبيبي، مي ماجاتش! مي سألت عليك زي ما قلت لك، وبعدين أغمى عليك!"
فرح إسماعيل!!! شعر بحال أفضل بكثير!
قال: "الحمد لله! أنا افتكرت أني عكيت الدنيا"
قالت ندى برقة مليئة بالحزن: "دنيا ايه يا إسماعيل؟ الموضوع أنتهى يا حبيبي من زمان، هي رفضت تتجوزك، وأنا خسرتها من ساعتها، مارجعناش نتكلم غير قرّيب، رغم أن كان ليها حق، هي معايا من حضانة وأنت كنت دايماً أخوها الكبير، فرق سبع سنين، وهي حبت ميدو اللي كان لسه في بداية حياته زيها ومعاها في الشغل! يعني هي مالهاش وجود خلاص! ومتجوزة! ومش صحاب ولا قريبين! يبقى دنيا ايه اللي عكيتها؟!"
إسماعيل: "..."
ندى: "انساها خلاص"
إسماعيل: "أنسى؟!"



في حالة إغماء جديدة تذكر إسماعيل كل شيء، كانت طفلة، صديقة اخته الحبيبة (العبيطة) ذات الخمس سنين!
مجرد طفلة احببها كثيرا!
كان يحبها كثيراُ ولكن كطفلة فقط! يدللها ويساعدها في المدرسة أن وجدها حزينة أو تبكي، تماماً كما  كان يفعل مع ندى.
متى بدأ التغير في المشاعر؟!
عندما كانت في سن الثمانية عشر، كانا في رحلة سوياً، كان هو في الخامسة والعشرون، بدأ القلب يدق بشكل مختلف، لا يعلم لم يحدث ذلك قبلها!
ربما لأنها كانت دائماً طفلة!
أما الآن .. في هذه الرحلة .. بعدما رآها بالمايوه!
لقد تغير كل شيء!
إلا هو!
لازال بريئاً وخجلاً، لا يقدر على مصارحتها!
حتى عندما شعرت ندى بمشاعره وصارحته بها وقالت أنها يمكن أن تساعده، أنكر تماماً، بل أنه أقسم لها بحياة أمه أن "الموضوع عادي"!
الخوف والضعف تمكنا منه، وظل ساكناً لسنوات!
ارتبطت هي بشاب في فترة الجامعة، شغل عيال!
سكت هو وكتم كل شيء في قلبه!
ثم شاباً أخر!
ثم خطوبة!
ثم فسخت الخطوبة!
ثم صارحها بحبه، ولكن متى؟
بعد فسخ الخطوبة بسنتين!
كان هذا الميدو قد جاء وسبقه!

ولكن الأحمق لازال يحبها حتى هذه اللحظة!
لقد أحبها حتى الأبد!
أبده هو على الأقل!

ينساها الآن؟!
لقد فات أوان النسيان يا ندى!



استيقظ من الغيبوبة مرة أخرى، ربما هي الأخيرة!
أخر غيبوبة أم أخر إفاقة؟! لا أحد يعلم!

وجدها قد جاءت حقاً، ذات الوجه، تلك السترة الجلدية الأنيقة التي تجعلها فاتنة، رآها بها مرة في "سيتي ستارز" من أربع سنوات، لقد أخذ يحلم بها أيام ويتخيل لو كان ذهب ليسلم عليها!
لكنه لم يفعل!
كانت مع ميدو!
كانت مع هاني وهالة أيضاً!
طفليها!
يعرفهما جيداً من حسابها على الفيسبوك!
لم يذهب ليكلمها بالطبع، وهي ولم تراه!

ولكنها أمامه الآن!
قالت: "سلامتك يا إسماعيل ألف سلامة. كنت باكلم ندى وحكيتلي! يا رب تقوم بالسلامة! أنا أسفة قوي أني عمري ما سألت عليك! أنت عارف بقى أنك اتقدمتلي وأنا متفقة مع ميدو، أنت أتأخر قوي، أنا كنت باحبك من زمان قوي! بس خلاص دلوقتي أنا متجوزة وماقدرش أقعد أكتر من كده، أنا حتى ضميري مأنبني أني باقوللك باحبك وأنا جاية من ورا ميدو"

ابتسم إسماعيل في سعادة بالغة، دخلت إحدى الممرضات الحجرة ولكنها صدمت الباب بشكل مفاجئ فغفل إسماعيل، واستيقظ!
ولم يجد أحد أمامه!
لم يكن هناك أحد!
ولكنه استمتع بتلك الرؤيا، حتى وإن كانت خيالية مرة أخرى!
لقد قالت له "كنت باحبك من زمان قوي"
مرحباً بالإغماءات اذن إن كانت كلها بهذا الجمال!



رن جرس محمول الأب بالخارج وقال: "أيوة يا حبيبتي، حمد لله على السلامة، مستنيينك، بالراحة بس ماتستعجلوش!"
نظر لزوجته وقال: "ندى لسه واصلة المطار، ساعتين كده يخلصوا الإجراءات ويتحركوا على هنا إن شاء الله"
لم ينتظر رداً، لا يريد أن يخوض أي حديث!
وهي لم تجيبه على أي حال!
ذهبت للممرض وسألته: "مافيش أخبار يا ابني؟"
قال: "والله يا حاجة ماصحيش من الغيبوية من 3 أيام ولا لحظة!"
بكت أكثر وأكثر!
وأخذت تفكر فيما يفكر فيه الأب! لم يعد هناك مجالاً للدعاء!
على الأقل دعاء الشفاء، ربما الرحمة هي المطلوبة الآن!

هما الأثنين في حاجة لندى الآن!
المسكينة التي لم تجد الوقت كي تودعه!

وهي تعلم أن إسماعيل نفسه حزيناً الآن، فهو يعشق ندى!
أكيد تمنى أن يراها قبل أن ...



قال إسماعيل: "أنا أسف أني تعبتك وجبتك من لندن تجري كده"
ندى: "ماكنتش باجري، كنت في الطيارة"
ضحك إسماعيل وقال: "ماشي يا لمضة، لسه ماشوفتيش بابا وماما؟"
قالت بابتسامة حزينة: "هو أنا جيت أصلاً؟"
بكى لأول مرة وقال: "أنتي في قلبي عموماً، ماتتعبيش نفسك، كده كده أنتِ موجودة"

تركته وذهبت وعلى وجهها ابتسامة جميلة، هذا هو الوجه الذي يحب أن يراه! وجهها السعيد، لا يريد أن يرى حزنها!
ونام
نام كثيراً
ثم استيقظ ليجد (مي)
بوجه أكبر سناً تلك المرة!
ليست شابة مثلما رآها أخر مرة!
قال بذهول: "المرة دي بجد؟"
لم تقل شيئاً
فقط قبلت رأسه
نظر لها نظرة أودعها كل حبه، كل المشاعر التي أخفاها في قلبه، نظرة قالت كل ما أراد أن يقول من حوالي خمسة عشر سنة، ثم ابتسم ابتسامة راضية.
تلك القبلة تكفيه تماماً، لم يكن ليتمنى أرق من هذا!
أغمض عيناه!

ثم أصدرت الأجهزة من حوله صفارة طويلة مزعجة لتعلن النهاية!
نهاية جاءت مبكراً!
قبل حتى خروج ندى من المطار!
ندى التي لم تتحدث إلى (مي) من تسع سنوات تقريباً!



النهاية
15 نوفمبر 2018


2 comments:

  1. بكيت!

    نصّ بديع وحوار مؤلم وقصّة بتزغزغ كل الحكاوي المتشالة..

    تسلم إيدك ��

    ReplyDelete

مذكرات بائع جرائد - الأجزاء من الأول إلى الرابع

الجزء الأول سوف أقٌص عليكم قصتي . أنا عبد القادر رضا، مواليد الخمسينيات من القرن الماضي . يناديني الجميع باسم عم عبده . ع...